زهرة يحيى
للتذكير وللمرة الثانية والثالثة والمليون، أعظم سبب للتوفيق والرزق ليس ذكائك ولا شهادتك ولا علاقاتك أيًا كانت .. بل نيتك الطيبة الخالصة لوجه الله هي التي تفتح لك أبواب الرزق والتوفيق من حيث لا تحتسب، النوايا الطيبة تُرتب لصاحبها أجمل الأقدار، فسعادة الآخرين لن تأخذ من سعادتك، وغناهم لن ينقص من رزقك، وعافيتهم لن تسلبك صحتك، فكن صاحب نية طيبة وأثر طيب بين الناس .
من المهم جدًا أن تخرج وحدك، أن تجلس تحت شجرة ليس مع كتاب، ولا مع رفيق، بل وحدك وتراقب سقوط ورقة، وتسمع حفيف الماء، وغناء الصيادين، وتراقب تحليق الطائر، وأفكارك وهي تتسابق في فضاء، إذا استطعت أن تكون وحدك وتراقب هذه الأشياء، فستكتشف ثرواتٍ هائلة لا تستطيع أي حكومة فرض ضرائب عليها، ولا يمكن لأي قوة بشرية أن تفسدها، ولا يمكن تدميرها أبدًا."
لا أطلبُ منكِ أن تعودي كما كنتِ، ولا أن تُحيي الزمن الذي انكسر برحيلكِ، يكفيني أن تزوريني في الخيال. هناك، حيث لا موت ولا فراق، حيث يمكنني أن أراكِ دون خوف من النهاية. في المخيلة وحدها، أستطيع أن أقترب دون أن أعدَّ الدقائق، وأن أتكلم دون أن أختنق بالصمت.
غيابكِ لم يكن حدثاً، بل حالة مستمرة. كل شيء بعدك صار ناقصاً، حتى الأيام التي تمر بسلام تحمل في داخلها فراغاً لا يُرى. تعلمتُ أن أعيش، نعم، لكنني لم أتعلم أن أعتاد. الفقد لا يشيخ، ولا يصبح أخف، بل يغير شكله فقط، كألمٍ يعرف كيف يختبئ.
حين تأتين في الحلم، لا أسألكِ أين كنتِ، ولا لماذا رحلتِ. أكتفي بأن أراكِ قريبة، وأن أشعر أن العالم، ولو للحظة، أقل قسوة. أحتاج أن يطول العناق، لأن الواقع لا يمنحني وقتاً كافياً لأقول كل ما لم يُقَل. الكلمات تتأخر دائماً عن الفقد، تصل بعد فوات الأوان، وتبقى معلّقة في الصدر.
يا أمي، كنتِ المعنى الوحيد الذي لم أحتج إلى تفسيره. وبعدكِ، صار كل شيء سؤالاً. تعلمتُ كثيراً عن الألم، عن الوحدة، عن الإنسان حين يُترك وحده مع وعيه، لكنني لم أتعلم كيف أكون قوياً كما يتوقعون. القوة التي يتحدثون عنها تشبه البرود، وأنا لم أعد أريد أن أكون بارداً.
في زيارتكِ القادمة لمخيلتي، لا تستعجلي الرحيل. اجلسي قليلاً، انظري إليّ كما كنتِ تفعلين، بلا أحكام، بلا شروط. دعيني أستريح من هذا العالم الذي يطالبني دائماً بأن أتماسك. في حضوركِ الخيالي، أسمح لنفسي أن أضعف، أن أكون ابناً فقط، لا إنساناً محاصراً بأسئلته.
أعلم أنكِ لن تعودي، وأعلم أن الوعي بهذه الحقيقة جزء من نضجي، لكن القلب لا ينضج أبداً أمام الأم. لذلك، حين تزوريني في الخيال، أرجوكِ، أطيلي العناق..."
هناك لحظات يقف فيها الإنسان أمام نفسه كما يقف أمام جدار أملس، بلا نتؤ واحد يمكن أن يتشبث به. لحظات يشعر فيها أن العالم يمضي من حوله بإيقاع صاخب، بينما هو ثابت، يراقب الأشياء كمتفرج آخر جلس في الصف الخطأ. العجز ليس ضعفاً، بل هو ذلك الإدراك القاسي بأن الإرادة وحدها لا تكفي دائماً، وأن الإنسان، مهما حاول، محكوم بحدود لا يفهمها تماماً.
كنت أظن أن الحرية تكمن في القدرة على الفعل، ثم اكتشفت أنها تكمن أحياناً في القدرة على التَحَمّل. ذلك الشعور الغريب الذي يخنق الصدر حين يصبح أبسط قرار عبئاً، وحين تبدو الخطوة الأولى كأنها تحتاج عمراً كاملاً. ومع ذلك، داخل هذا العجز يسكن شيء صغير، خافت، يشبه عناد الحياة نفسها: ذلك الرفض الصامت للاستسلام، ذلك الإصرار الغامض على أن ننهض ولو مرة أخرى، حتى لو كنا نعلم أن الطريق لا يعد بشيء.
إنني أتعلم كل يوم أن الإنسان ليس مطالباً بأن يكون قوياً طوال الوقت، بل أن يكون صادقاً أمام ضعفه. فالعجز، مهما بدا قاسياً، يكشف تلك الحقيقة التي نخاف الاعتراف بها: أننا وحدنا في معركتنا الداخلية، وأن النجاة ليست يقيناً بل محاولة متجددة. وفي هذا، ربما، تكمن كرامتنا الأخيرة."
ثمّة زرقة كانت في عينيه، توقًا نحو البحر، نحو شيءٍ بعيد ..
وكان سيمضي، كنت أعرف، لأن الحياة كانت تتهدل على كتفيه
وكان يجرها..
وفي عينيه، كنت ألمح دومًا ظل شيخ كبير
ومن حين لآخر، كان يهمس:
التعب، لم تبق كلمات لوصف هذا التعب..
مرةً رأيته يُنزّه حياته
وبدت متعبة مثل شيءٍ يحتضر
مرةً أخرى
رأيته جالسًا فوق تلّة من موت
وبخجلٍ كان يبكي
ويُقلّب بين يديه غُصنًا صغيرًا وطوقًا باليًا
وبخجلٍ مضيت
كمن اكتشف، دون عمد، سر الآخر
ولم يقل أحدنا شيئاً..
والبحر فيه، كان يهدأ حينًا، وحينًا، كان يعصف..
لكنه كان يظهر أحيانًا، وكنتُ أعرف
أي موج كان يتقلّب فيه البارحة
وحين كنا نُحدق سويةً نحو شيءٍ بعيد
كنتُ ألمح غرقى كثيرين
يرسون على شطآن قلبه
وكان ذاك الصمت يعلو وجهه
صمت صباح اليوم التالي للجنازة..
ولم نكن نعرف أحدًا
كنا نسير مهدلين
مثل ظل المساءات،
حين يمر تحت الشجر اليابس
وأحيانًا، كان الخوف يُرى مُرتعشًا
فوق شفاهنا..
حين يسطع ضوء المنارة
على وجوهنا..
و كان ثمّة بحر يفصل بيننا
ثمة بحر، يصل بيننا
ويُعيرنا شجنًا خفيًا
حين يهبط طير فوق أفراخه
و نتذكر، مرغمين، وحشة بيوتنا..
والبحر فينا، هو الذي كان يبكي..
ولم يكن لنا آباء
وفي الأيام المُمطرة
كانت أبواب منازلنا
ترتعد من الفقد
وكنا نرتعد أيضاً
تحت الشراشف
حين يُعيدنا الماء إلى طفولتنا
وحين تذكرنا لسعات النار في الموقد
وحين كنا نبكي، عندما نلمح الليل
يتسلل زاحفًا من الباب الموارب
لكن أحدنا، لم يكن يقول شيئاً..
والبحر فينا، هو الذي كان يبكي..
ولم نكن نتحدث
كان يجلس غائمًا
يتحسس برعدةً سكينًا صغيرًا في جيبه
ومن حين لآخر
كان يمضي نحو شيءٍ بعيد
وكنت أتبعه..
ذات مرة مضى نحو البحر
وعلا ذاك الصفير
الذي يشبه صفير قطار
يحمل الجنود إلى الجبهة
وكنتُ أعرف، قبل أن يمضي، أنه لابد سيمضي
لأن الحياة لم تكن على مقاسه
ولأنه الوحيد، الذي، حين ولد باكيًا، كان يعني بكاءه
لأنه الوحيد الذي- منذ الولادة- كان يبكي من تعب
ولم يكن في جنازته أحد..
لكن البحر- الذي هو صوته- كان يعصف
والحياة، مع ذلك، كانت تمضي في طريقها
وعلى جانب الطريق، كان شخص ما يعزف لحنًا حزينًا
و غدت أعراس المدينة غائمة
وكان البحر يصهل
والطيور تتساقط بتعب على زجاج النوافذ..
لكن الحياة، مع ذلك، كانت تمضي في طريقها
ولم يعرف الناس، أي حزن كانت المدينة تبكيه في تلك الليلة.
كنت أعيش من أجل غد لا خوف فيه..وكنت أجوع من أجل أن أشبع ذات يوم.. وكنت أريد أن أصل إلى هذا الغد..لم يكن لحياتي يوم ذاك أية قيمة سوى ما يعطيها الأمل العميق الأخضر بأن السماء لا يمكن أن تكون قاسية إلى لا حدود.. وبأن هذا الطفل, الذي تكسرت على شفتيه ابتسامة الطمأنينة, سوف يمضي حياته هكذا, ممزقاً كغيوم تشرين, رماديا كأودية مترعة بالضباب, ضائعا كشمس جاءت تشرق فلم تجد أفقها..ورغم ذلك... كنت أقول لذات نفسي "اصبر، يا ولد، أنت ما زالت على أعتاب عمرك، وغداً، وبعد غد، سوف تشرق شمس جديدة, الست تناضل الآن من اجل ذلك المستقبل؟ سوف تفخر بأنك أنت الذي صنعته بأظافرك, منذ اسه الأول...إلى الأخر" وكان هذا الأمل يبرر لي ألم يومي؛ وكنت أحدق إلى الأمام أدوس على أشواك درب جاف كأنه طريق ضيق في مقبرة...
يارب تنتهي هذه الحرب وتضع أوزارها
ينتهي أزيز الرصاص وصوت الانفجار
تنتهي رائحة البارود
الأطفال الذين كانوا يركضون خلف فراشة
أصبحوا يركضون للاحتماء من قذيفة.
تبدلت أحلامهم من اللعب إلى مجرد النجاة للغد
هذه الحرب أخذت الكثير من الأحباء
وتركت ندوبا عميقة لاتنتهي بيوم أو بسنة
أهل غزة يستحقون الفرح
يستحقون الأمان
يستحقون حياة تشبه الحياة
المهم أن تنتهي هذه الحرب بأي ثمن .
نحن نكتب عنه بلاغاً فصيحاً
و شعراً حديثاً
و نمضي.. لنطرح أحزاننا في مقاهي الرصيف
و نحتجُّ: ليس لنا في المدينة دار.
و نحن بعيدون عنه ،
نعانق قاتله في الجنازة ،
نسرق من جرحه القطن حتى نلمِّعَ
أوسمة الصبر و الانتظار
هو الآن يخرج منا
كما تخرج الأرض من ليلة ماطره
و ينهمر الدمُ منهُ
و ينهمر الحبر منّا.
و ماذا نقول له؟ تسقط الذاكرة
على خنجر ؟
و المساءُ بعيدٌ عن الناصرة!
هو الآن يمضي إليه
قنابل.. أو برتقالة
و لا يعرف الحدَّ بين الجريمة حين تصير حقوقاً
و بين العدالة
و ليس يصدِّق شيئاً
و ليس يكذِّبُ شيئاً.
هو الآن يمضي.. و يتركنا
كي نعارض حيناً
و نقبلَ حيناً
هو الآن يمضي شهيداً
و يتركنا لاجئينا!

















































