ربِّ اجعلني أتحسس نعمك عليّ بدهشة الذي يرى الشيء للمرة الأولى، وأوزعني أن أشكرك نعمتك علي .
سافر الصحابي سهيل بن عمرو مع زوجته وفي أثناء الطريق، اعترضهم قطاع الطرق وسلبوا منهم كل شيء من مال وطعام ولم يتركوا لهم شيئاً.
وبدأ اللصوص يأكلون من الطعام المسروق.. فانتبه سهيل بن عمرو أن قائد اللصوص لا يشاركهم الأكل.. فسأله: لماذا لا تأكل معهم؟ فرد عليه: إني صائم! استغرب سهيل فقال له: تسرق وتصوم!!
قال له: إني أترك باباً بيني وبين الله.. لعلي أن أدخل منه يوماً ما .
وبعدها بعام أو عامين..
رآه سهيل في الحج وقد تعلق بأستار الكعبة وقد أصبح زاهداً، عابداً،
فنظر إليه وعرفه..
فقال له: لقد علمت، من ترك بينه وبين الله باباً دخل منه يوماً ما.
هذه الحياة أشواط!
اليوم نبكي وغدًا معنا موعد مع الفَرح، اليوم نيأس وغدًا يحين عناقُ الأحلام، اليوم نتعب وغدًا ساعةُ الرّاحات، اليوم نضيق وغدًا تُشرق شمس السّعة و الرّخاء،
المهم أن تبقى مع الله، أن تمضي راضيًا عنه، آملاً بفضله العظيم، طامعًا في مغفرته ورحمته، محسنًا في عبوديتك له، تدعوه وترجوه و تسأله كلّ شيء..
صدّقني، هذا كلّ شيء!
لو فقدت ما فقدت ،
لو فاتك كلّ شيء تحبّه،
لو خسرت كلّ ما تتمنّاه،
لو تعبت..
يكفيك من كلّ شيء أنَّ الله معك.
لديّ ذلك الضميرُ الذي كلّما نظرتُ إليه، وجدته ينظرُ نحوي موسّعًا أحداقه.
ليس ضميري صوتاً خافتاً يهمس في أذني، بل هو عينٌ كونية تسكنني. كلما حاولتُ الالتفاف حول الحقيقة، أو الركون إلى زيف المظاهر، اصطدمتُ بتلك الأحداق الواسعة التي لا تغفل. إنها نظرةٌ لا تعرف العتاب بقدر ما تعرف المكاشفة. هو ينظر إليّ ليرى هل ما زلتُ أنا.. أنا؟ هل ما زال قلبي حراً كما ادعيت؟ أم أن الزحام قد سرق مني ملامحي؟ أقفُ أمامه عارياً من كل تبرير، أستمدُّ من اتساع أحداقه نوري، ومن صمتهِ هيبتي. أنا لا أخشى أحداً ما دمتُ أستطيع النظر في عينِ ذلك القابع في أعماقي دون أن يرتد طرفي. لقد جعلتُ من تلك الأحداق مداري، ومن ذلك التحديق الطويل صكَّ وجودي؛ فمن كان ضميره يراقبه بهذا الاتساع، لن تضله المسارات، ولن تكسره الخيبات.
في حانوت خبز, على ناصية شارع باريسي
ضيِّق... أَحتسي قهوتي الأولى. صباحاً
تختلط رائحة الخبز برائحة القهوة، و توقظان
فيَّ شهية على حياة طازجة .. حياة
مبتدئة، و على سلام طوعي مع الأشياء
الصغيرة، و مع حمامات تُؤْثِرُ المشي بين
المارة و السيارات على الطيران. لا أَجد غيري
يجلس وحيداً إلا من دفتر يوميات.
لكني أحس بأني أشارك السيدات المتقدمات
في العمر حماستهنّ تجاه تفاصيل يروينها عن
حياةِ غيرهنّ. و أُشارك بائعات الخبز و النادلات
الجميلات حيادهنَّ اللبق تجاه مغازلات الزبائن
المتقدمين، أكثر مني، في السن. أَتباطأ في
احتساء قهوتي لأحافظ على صحبة مفترضة
مع ما حولي، فليس للغريب إلا اختراع
أُلفة ما مع مكان ما. و أَنا اخترت هذا
الركن من حانوت الخبز لتأليف عادة يومية،
كأني على موعد مع ذكريات مجتهدة تعتمد
على نفسها في النمو. و أَسترسل في التفكير
بتاريخ الخبز: كيف اكتُشِفَتْ حَبَّةُ القمح
الأولى في سنبلةٍ خضراء مجدولةٍ كضفيرة.
و كيف راقبها شخص ما إلى أن نضجت و اصفَرَّتْ؟
و كيف خطر على باله أن يطحنها و يعجنها
و يخبزها حتى وصل إلى هذه المعجزة؟ أَرى
حقولاً بعيدة في زمن بعيد، و أتساءل:
كم استغرق هذا الإبداع من الوقت؟ تعلو رائحة
الخبز الطازج، و أنظر في ساعتي .. ثم أَعود
من آلاف السنين إلى حياة مبتدئة!
للتذكير وللمرة الثانية والثالثة والمليون، أعظم سبب للتوفيق والرزق ليس ذكائك ولا شهادتك ولا علاقاتك أيًا كانت .. بل نيتك الطيبة الخالصة لوجه الله هي التي تفتح لك أبواب الرزق والتوفيق من حيث لا تحتسب، النوايا الطيبة تُرتب لصاحبها أجمل الأقدار، فسعادة الآخرين لن تأخذ من سعادتك، وغناهم لن ينقص من رزقك، وعافيتهم لن تسلبك صحتك، فكن صاحب نية طيبة وأثر طيب بين الناس .
من المهم جدًا أن تخرج وحدك، أن تجلس تحت شجرة ليس مع كتاب، ولا مع رفيق، بل وحدك وتراقب سقوط ورقة، وتسمع حفيف الماء، وغناء الصيادين، وتراقب تحليق الطائر، وأفكارك وهي تتسابق في فضاء، إذا استطعت أن تكون وحدك وتراقب هذه الأشياء، فستكتشف ثرواتٍ هائلة لا تستطيع أي حكومة فرض ضرائب عليها، ولا يمكن لأي قوة بشرية أن تفسدها، ولا يمكن تدميرها أبدًا."
لا أطلبُ منكِ أن تعودي كما كنتِ، ولا أن تُحيي الزمن الذي انكسر برحيلكِ، يكفيني أن تزوريني في الخيال. هناك، حيث لا موت ولا فراق، حيث يمكنني أن أراكِ دون خوف من النهاية. في المخيلة وحدها، أستطيع أن أقترب دون أن أعدَّ الدقائق، وأن أتكلم دون أن أختنق بالصمت.
غيابكِ لم يكن حدثاً، بل حالة مستمرة. كل شيء بعدك صار ناقصاً، حتى الأيام التي تمر بسلام تحمل في داخلها فراغاً لا يُرى. تعلمتُ أن أعيش، نعم، لكنني لم أتعلم أن أعتاد. الفقد لا يشيخ، ولا يصبح أخف، بل يغير شكله فقط، كألمٍ يعرف كيف يختبئ.
حين تأتين في الحلم، لا أسألكِ أين كنتِ، ولا لماذا رحلتِ. أكتفي بأن أراكِ قريبة، وأن أشعر أن العالم، ولو للحظة، أقل قسوة. أحتاج أن يطول العناق، لأن الواقع لا يمنحني وقتاً كافياً لأقول كل ما لم يُقَل. الكلمات تتأخر دائماً عن الفقد، تصل بعد فوات الأوان، وتبقى معلّقة في الصدر.
يا أمي، كنتِ المعنى الوحيد الذي لم أحتج إلى تفسيره. وبعدكِ، صار كل شيء سؤالاً. تعلمتُ كثيراً عن الألم، عن الوحدة، عن الإنسان حين يُترك وحده مع وعيه، لكنني لم أتعلم كيف أكون قوياً كما يتوقعون. القوة التي يتحدثون عنها تشبه البرود، وأنا لم أعد أريد أن أكون بارداً.
في زيارتكِ القادمة لمخيلتي، لا تستعجلي الرحيل. اجلسي قليلاً، انظري إليّ كما كنتِ تفعلين، بلا أحكام، بلا شروط. دعيني أستريح من هذا العالم الذي يطالبني دائماً بأن أتماسك. في حضوركِ الخيالي، أسمح لنفسي أن أضعف، أن أكون ابناً فقط، لا إنساناً محاصراً بأسئلته.
أعلم أنكِ لن تعودي، وأعلم أن الوعي بهذه الحقيقة جزء من نضجي، لكن القلب لا ينضج أبداً أمام الأم. لذلك، حين تزوريني في الخيال، أرجوكِ، أطيلي العناق..."
هناك لحظات يقف فيها الإنسان أمام نفسه كما يقف أمام جدار أملس، بلا نتؤ واحد يمكن أن يتشبث به. لحظات يشعر فيها أن العالم يمضي من حوله بإيقاع صاخب، بينما هو ثابت، يراقب الأشياء كمتفرج آخر جلس في الصف الخطأ. العجز ليس ضعفاً، بل هو ذلك الإدراك القاسي بأن الإرادة وحدها لا تكفي دائماً، وأن الإنسان، مهما حاول، محكوم بحدود لا يفهمها تماماً.
كنت أظن أن الحرية تكمن في القدرة على الفعل، ثم اكتشفت أنها تكمن أحياناً في القدرة على التَحَمّل. ذلك الشعور الغريب الذي يخنق الصدر حين يصبح أبسط قرار عبئاً، وحين تبدو الخطوة الأولى كأنها تحتاج عمراً كاملاً. ومع ذلك، داخل هذا العجز يسكن شيء صغير، خافت، يشبه عناد الحياة نفسها: ذلك الرفض الصامت للاستسلام، ذلك الإصرار الغامض على أن ننهض ولو مرة أخرى، حتى لو كنا نعلم أن الطريق لا يعد بشيء.
إنني أتعلم كل يوم أن الإنسان ليس مطالباً بأن يكون قوياً طوال الوقت، بل أن يكون صادقاً أمام ضعفه. فالعجز، مهما بدا قاسياً، يكشف تلك الحقيقة التي نخاف الاعتراف بها: أننا وحدنا في معركتنا الداخلية، وأن النجاة ليست يقيناً بل محاولة متجددة. وفي هذا، ربما، تكمن كرامتنا الأخيرة."