هادئةٌ أنتِ
كقطرة مطرٍ تسيرُ في النَّسيم
تهوي عند نافذتي
في صدرها تُخبَّئ الحياة للحُقُول
ولقلبي !
قربٌ بعيد..
قد يفتح المرء نافذته على اتساعها، ويبقى الآخر منشغلاً بما اعتاد أن يراه منها.
ليس كلُّ مَن اقترب منك عرفك، ولا كلُّ مَن أحبّ شيئًا فيك رآك. أحيانًا، يقضي أحدهم عمرًا إلى جوارك، يعرف صوتك، ويحفظ ملامحك، ويألف حضورك، ثم يمضي وهو لا يعرف عنك إلا ما صادف أن أظهرته له. كأنّ ما نكونه ليس ما يراه الآخرون فينا، بل ما لم يخطر لهم يومًا أن يبحثوا عنه. لطالما حيّرني كيف يمكن لأحدهم أن يألف الضوء في نافذتك، ثم يظنّ أنّّه عرف البيت. أن يأتي مرارًا، ويجلس طويلًا، ويحفظ موضع النافذة من الجدار، وربما أحبّ ذلك الضوء أيضًا، لكنّه لا يفكر مرّةً في الطرق التي تقود إلى الغرف المعتمة، ولا فيما تُخفيه الزوايا التي لا يبلغها نظره.
لطالما تساءلتُ: أيّ جزء مني تحبّ، وأنت لم تحاول يومًا أن تعرفني كما أنا؟ لستُ أعني أن تحفظ ما أقوله، أو أن تتذكّر تفاصيل عابرةً من حديثي، بل أن تنتبه إلى ما يتغيّر في صوتي حين أقول إنني بخير، وإلى الكلمات التي أبتلعها في منتصف الطريق، وإلى تلك المسافة الصغيرة بين ما أشعر به وما أستطيع البوح به. كنتُ أظنّ أن المحبّة تجعلنا أكثر رغبةً في الاكتشاف؛ تدفعنا إلى الاقتراب من عوالم بعضنا، لا أن نكتفي بالوقوف عند أبوابها. كم مرّةً حاولت أن أريك شيئًا مني، لا لأنني لا أستطيع فهم نفسي، بل لأنني أردت أن تشاركني رؤيتها؟ وكم مرّةً انتهى بي الأمر وأنا أشعر بأنني لم أكن بحاجةٍ إلى مزيدٍ من الكلام، بل إلى قليلٍ من المحاولة منك؟
كنت أظنّ أنَّ الذين يحبّوننا يرغبون، ولو قليلًا، في معرفة ما لا يظهر منّا. لا لأنّنا نخفيه عمدًا، بل لأنّ في كلّ إنسان أشياء لا تعرف كيف تخرج إلى الضوء وحدها؛ أشياء تحتاج إلى سؤالٍ صادق، وإلى انتباهٍ لا يستعجل الإجابة، وإلى قلبٍ لا يكتفي بما يسهل عليه رؤيته. لكنّ بعضهم يعتاد حضورك حتى يظنّ أنّّه عرفك، ويألف كلماتك حتى يتوهّم أنّه سمعك، ويطمئنّ إلى الصورة التي رسمها لك في ذهنه، فلا يخطر له أنّك ربما كنت طوال الوقت أوسع بكثير ممّا تتسع له تلك الصورة. أكثر ما يُعب الإنسان أن يترك من روحه أثرًا صغيرًا في حديث عابر، وأن يمّرّ ألمه بين كلمتين، وأن يمنحك من نفسه ما لا يمنحه للآخرين، ثم يمضي كلّ شيء كأنه لم يحدث.
لم أطلب منك أن تقرأ أفكاري، ولا أن تفهمني من نظرة، ولا أن تصيب في كلّ مرّة. كنتُ أريد فقط أن أراك تحاول؛ أن تسأل حين لا تفهم، وأن تعود إلى ما حيّرك بدل أن تتركه خلفك، وأن تدرك أنّ ما لا أستطيع شرحه من المرة الأولى لا يعني أنه لا يستحق منك الإصغاء. فليس مؤلمًا أن يجهل أحدهم شيئًا عنك؛ فكلّنا نجهل بعضنا في البداية. المؤلم أن تمنحه من الإشارات ما يكفي ليدرك أنّ وراء ما يراه عالمًا لم يكتشفه بعد، ثم تراه يكتفي بما عرفه عنك في أوّل الطريق. ربّما كنتَ قريبًا مني أكثر ممّا تظنّ، لكنّ القرب الذي لا تصحبه رغبةٌ في الفهم يترك بين قلبين مسافةً لا تراها العيون. وأنا لم أكن لغزًا يستنزفك حلّه، ولا حكايةً عليك أن تحفظ تفاصيلها. كنتُ أريد أن أكون إنسانةً تحبّها، فتريد أن تعرفها. وهذا، في ظنّي، ليس كثيرًا.
ولم أعد أعرف إن كان ما أريد قوله قد نفد، أم أنّني تعبت من البحث عن طريقةٍ يصل بها إليك. لم أغلق النافذة، ولم أعد أراقب الطريق. تركتُ الضوء يفعل ما اعتاد فعله، وتركتُ البيت يحتفظ بأسراره، ومضيتُ في أيّامي كأنّ شيئًا لم يكن ينتظر أحدًا. كنتَ تقول إنّك تحبّني، وربما كنتَ صادقًا في كلّ مرّة. لكنّني لم أعرف يومًا إن كنت قد أحببتني كما أنا، أم أحببتُ تلك الصورة التي استطعت أن تفهمها مني، وتركتُ بقيّتي في مكانٍ لم تصله أسئلتك. أنا لا أعاتبك لأنّك لم تفهمني دائمًا، بل لأنّني لم أشعر أنّك أردتَ أن تفعل. وهناك فرقٌ كبير بين مَن يعجز عن الوصول إليك رغم محاولاته، ومَن يقف بعيدًا ثم يسمّي المسافة محبّة.
واليوم ، ما زالت النافذة في مكانها، وما زال الضوء يعرف طريقه إلى الخارج... لكنّني لم أعد أعرف ما الذي تراه حين تنظر إليها، ولا ما الذي فاتك حين ظننتَ أنّك رأيت كل شيء. ربّما لم يكن في البيت ما يستحق كلّ ذلك الانتظار، وربّما كانت فيه حكايةٌ كاملة، لم تجد يومًا مَن يسأل عن بقِيّتها. لا أدري... كلّ ما أعرفه أنَّ بعض الأشياء تظلّ في أماكنها طويلًا، حتى نظنّ أنّها لن تتغيّر أبداً. ثم نلتفت إليها ذات يوم... ولا نعرف، على وجه اليقين، ما الذي تغيّر فيها، وما الذي تغيّر فينا.
أَيُّهَا الرَّاكِضُ فِي زِحَامِ الْعُمْرِ..
سَنَبْقَى هَائِمِينَ بِلَا هَوَادَةٍ حَتَّى نَلْتَقِيَ بِأَنْفُسِنَا، رِيَاحُ الْعُمْرِ شَمَالِيَّةٌ تُثِيرُ الْغُبَارَ عَلَى طُرُقٍ لَمْ نَسْلُكْهَا بَعْدُ، وَالْوَقْتُ أَسْرَعُ مِنْ أَنْ نَرْتَشِفَ فِيهِ كُوبَ شَايٍ بِسَلَامٍ، أَوْ نَنْظُرَ فِي مِرْآةِ أَرْوَاحِنَا الْمُنْهَكَةِ دُونَ قَلَقٍ.
نَرْكُضُ وَفِي دَاخِلِنَا مَوَاسِمُ مُؤَجَّلَةٌ، وَأَحْلَامٌ كَبَّلَهَا الْخَوْفُ مِنَ الْخُطْوَةِ الْأُولَى؛ وَنَنْسَى فِي زِحَامِ الْخُطُوَاتِ كَيْفَ يَتَنَفَّسُ الْمُتْعَبُونَ، وَكَيفَ نَهْدِئُ مِنْ رَوْعِ قُلُوبِنَا الْوَاجِفَةِ، نَخَافُ السُّكُونَ قَبْلَ النُّقْطَةِ الْأَخِيرَةِ، وَنَرْتَعِبُ مِنْ فِكْرَةِ أَنْ نَصِلَ مُتَأَخِّرِينَ، أَوْ أَنْ تفوَّتَنَا نَسْمَةُ الرَّبِيعِ الَّتِي نَتُوقُ لِمُصَافَحَتِهَا.
يَوْمًا مَا..
سَنَمْشِي فِي ذَاتِ الطُّرُقِ الَّتِي كُنَّا نَرْكُضُ فِيهَا،
سَنَكْتَشِفُ أَنَّ السَّاعَةَ طَوِيلَةٌ.. طَوِيلَةٌ بِمَا يَكْفِي،
لِاِكْتِشَافِ قَرْيَةٍ خَبِيئَةٍ فِي جَوْفِ مَدِينَةٍ جَدِيدَةٍ،
وَأَنَّ الرَّبِيعَ لَمْ يَكُنْ يَوْمًا خَارِجَنَا،
بَلْ كَانَ يَدْخُرُنَا عِنْدَ خَطِّ التَّوَقُّفِ الْأَوَّلِ؛
حِينَ نُقَرِّرُ أَخِيرًا.. أَنْ نَهْدَأَ.
بعد مئة عام من الآن سنكون جميعاً مع أقاربنا وأصدقائنا تحت الأرض وسيسكن بيوتنا أناس غرباء ويمتلك أملاكنا أشخاص آخرون
لن يتذكروا شيئاً عنا فمن منا يخطر والد جده على باله مثلاً ؟
سنكون مجرد سطر في ذاكرة بعض الناس أسماؤنا وأشكالنا سيطويها النسيان.
ف لماذا نطيل التفكير بنظرة الناس إلينا و بمستقبل أملاكنا وبيوتنا وأهلنا كل هذا ليس له جدوى أو نفع بعد مئة عام !!
إن وجودنا ليس سوى ومضةٍ في عمر الكون ستطوى وتنقضي في طرفة عين وسيأتي بعدنا عشرات الأجيال كل جيل يودع الدنيا على عجل ويسلم الراية للجيل التالي قبل أن يحقق ربع أحلامه ف لنعرف إذاً حجمنا الحقيقي في هذه الدنيا وزمننا الحقيقي في هذا الكون فهو أصغر مما نتصور !!
هناك بعد مئة عام وسط الظلام والسكون سندرك كم كانت الدنيا تافهة وكم كانت أحلامنا ب الإستزادة منها سخيفة.
كل ما كان من أمري أنني أحب الجمال، وأفتتن به كلما رأيته في صورة الإنسان، أو مطلع البدر، أو مغرب الشمس، أو هجعة الليل، أو يقظة الفجر، أو منتشر الأزهار، أو رقة الحس، أو عذوبة النفس، أو بيت الشعر، أو قطعة النثر كان من أمري أنني أحب الجمال، وأفتتن به كلما رأيته في صورة الإنسان، أو مطلع البدر، أو مغرب الشمس، أو هجعة الليل، أو يقظة الفجر، أو منتشر الأزهار، أو رقة الحس، أو عذوبة النفس، أو بيت الشعر،
أو قطعة النثر.
لدي ما يكفي من الأمل لأمضي في الحياة حتى نهايات الحُلم، لا يهمُني في الأخير إن أدركت غايتي أم لا، سأكتفي بأنّني عبرت العُمر مُعلّقة عيناي بنجمةٍ في السّماء، لم ألتفت لكُل تلك الحُفر على جوانب الطريق، في حين أن الكثير ممّن مروا قبلي غلبهم اليأسُ فسقطوا فيها مُذعنين، لم يخطر لهم أبدًا أن الأمل وحده كفيل بتحويل الإنسان لجُنديّ يُجابه الصعاب كُل يومٍ لينجُو.
الناجي الوحيد
في داخلك مقبرة لا يعرف عنها أحد .
مدفون فيها أشخاص كنتهم يوما .
طفل كان يصدق كل شيء ، وشاب كان يظن أن العالم
ينتظره ، ونسخة منك كانت تفرح بأشياء
لا تحرك فيك اليوم شيئا .
الغريب أنك لم تقتل أيا منهم عمدا ، الحياة فعلت
ذلك بهدوء ، كل خيبة أخذت منك شخصا ،
كل انتظار طويل دفن آخر ، وكل مرة قلت فيها
أنا بخير وأنت لست كذلك ... كان هناك شيء فيك
يتوقف عن المقاومة . حتى وصلت إلى نفسك الحالية .
هادئا أكثر مما ينبغي ، تفهم أشياء كنت تتمنى ألا تفهمها ،
ولا تتعلق بسهولة ، ولا تندهش كثيرا .
يظنون أنك نضجت . ولا يعرفون أن بعض النضج
ليس إلا اسما محترما للأشياء التي ماتت فينا .
وأنت؟
أنت لست أقوى نسخة منك .
أنت فقط ... الناجي الوحيد
من كل النسخ التي لم تستطع إكمال الطريق .
هناك شيء عميق وهادئ في اختيار الحياة البسيطة وسط عالم لا يتوقف عن طلب المزيد.. المزيد من الضجيج المزيد من القبول و المزيد من الأشياء !
بينما السلام الحقيقي غالباً يختبئ في التفاصيل التي لا تطلب شيئاً.
صباح هادئ، قلب صادق لحظات حقيقية وحياة خفيفة تشبه التنفس ،
ربما لم يكن الثراء يومًا في امتلاك كل شيء، بل في الشعور بأن ما لديك يكفيك فعلا ."
يومًا ما ..
سنجد وقتنا الضائع ..
وسوف نضيع أحزاننا الأبدية ..
سوف ننسى ما كان يبدو كأنه محفور في وجودنا ..
سوف تلتئم الندوب التي كانت تضحك تحت ثيابنا ..
وسوف تنطفئ حرائقنا دون حاجة إلى المطر ..
سنخلع الزيف ونرتدي الأمل ..
ونقبل وجوهنا الصادقة في المرايا ..
وسوف تتقاطع الطرق المتوازية ..
وسوف يعيرنا الجبل البعيد كتفه حتى نعتليه ..
يومًا ما ..
سنمسك بيد الأيام ..
وتحملنا في استدارة كاملة ..
سوف نتمهل في الطرقات المزروعة بالنجوم على الجانبين ..
سوف نشعر بالحب دون حاجة للتفسير ...
ونتذكر الذين نسونا .. ونصفح لهم نسيانهم ..
سوف نُمسح على رأس الحزن .. لأنه كان وحيداً دائماً ..
يومًا ما ..
ستمنحنا الأرض رقة أن نلتقي ..
كصدفة بهية ..
على غير موعد ..
يستيقظُ الطفلُ القَديمُ بداخلي ..
ويعيدُ تركيبي وجبرَ حطامي ..
ولعله يلهو بأغنيةٍ لها ..
ذكرى .. فينقشعُ الأسى بمنامي ..
ويسببُ الفوضى .. فأركضُ خلفهُ ..
وأضيفُ أياماً إلى أيامي ..
في كلِّ أخطائي التي أتقنتها ..
في كل ذكرى قد تمرُّ أمامي ..
يستيقظُ الطفلُ الذي أهملتهُ ..
متمسكاً بي .. قابضاً إبهامي ..
ومناغياً ألحان عمرٍ باهتٍ ..
أو ضاحكاً من دهشةِ الأحلامِ ..
ثُمَّ أدركتُ ..
أنَّ الإنسان لا يرى العالم بعينيه
بل بما استقرَّ في قلبه.
فالطريقُ الذي يراه أحدهم موحِشًا، يراه آخر بدايةً جديدة. والكلمة التي تُحيي إنسانًا، قد تمرُّ على غيره كأنَّها لم تُقَل. وليس لأنَّ العالم يتغيَّر كل مرَّة، بل لأنَّ النفوس هي التي تغيِّر صورته.
ولهذا
لا تكون الحقيقة دائمًا كما نراها.
بل كما تسمح لنا تجاربنا أن نراها.
فالطفل الذي خُذِل صغيرًا، يكبر وهُو يبحث عن الخذلان في كلِّ يدٍ تمتدُّ إليه. والذي ذاق الأمان، يظنُّ أنَّ العالم ما زالَ يتَّسع للخير. وكل منهما يعتقد أنَّه يرى الحقيقة، مع أنَّه لا يرى إلا أثر ما عاشه.
ثُمَّ أدركتُ أنَّ أخطر ما يفعله الألم
أنَّه لا يسرق من الإنسان طمأنينته فحسب.
بل يسرق منه حياده.
فيجعله يفسِّر الصمت رفضًا، والتأخَّر نسيانًا، والغياب تخلِّيًا، قبل أن يمنح الحياة فرصةً لتقول كلمتها.
ولعلَّ لهذا السبب
لا يحتاج الإنسان دائمًا إلى أن يُغيِّر العالم من حوله.
بل يحتاج بين حين وآخر، إلى أن يُراجع العدسة التي ينظر بها إليه. فكم من حقيقةٍ كانت بريئة ولكن جراحنا هي التي ألبستها ثوب الاتهام.
ثُمَّ أدركتُ
أن صفاء القلب
ليس أن يخلو من الألم.
بل أن يبقى قادرًا على رؤية الخير
رغم كل ما تعلّمه من الوجع.
لقد حاولت منذ البدء أن أستبدل الوطن بالعمل ، ثم بالعائلة ، ثم بالكلمة ، ثم بالعنف ، ثم بالمرأة ، وكان دائماً يعوزني الانتساب الحقيقي ، ذلك الانتساب الذي يهتف بنا حين نصحو في الصباح : " لك شيء في هذا العالم فقم" أعرفته؟ وكان الاحتيال يتهاوى ، فقد كنت أريد أرضاً ثابتة أقف فوقها ، ونحن نستطيع أن نخدع كل شيء ما عدا أقدامنا ، إننا لا نستطيع أن نقنعها بالوقوف على رقائق جليد هشة معلقة بالهواء ، والآن : كنت أمشي على رقع الجليد تلك ، وليس كل ما كتبته وكل ما قلته في حياتي كلها إلا صوت تهشمها تحت الخطوات الطريدة ..
قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم:
«لا تحقِرَنَّ من المعروف شيئًا ولو أنْ تُعطِي صلة الحبل، ولو أنْ تُعطِي شِسعَ النَّعل، ولو أنْ تَنْزِع من دَلوِك في إناء المُستَسقِي، ولو أنْ تنحِّي الشيءَ من طريق الناس يُؤذِيهم، ولو أنْ تَلقَى أخاك ووجهُك إليه مُنطَلِق، ولو أنْ تلقى أخاكَ فتُسلِّم عليه، ولو أنْ تُؤنِس الوَحشان في الأرض»
طوال الطريق كان يتكلم ويتكلم ويتكلم ، تحدث إلى زوجته عن كل شيء ، عن الحرب وعن الهزيمة وعن بوابة منْدَلبوم التي هدمتها الجرارات ، وعن العدو الذي وصل إلى النهر والقناة ومشارف دمشق خلال ساعات ، وعن وقف إطلاق النار ، والراديو ، ونهب الجنود للأشياء والأثاث ، ومنع التجول ، وابن العم الذي في الكويت يأكله القلق ، والجار الذي لمّ أغراضه وهرب ، والجنود العرب الثلاثة الذين قاتلوا وحدهم يومين على تلة تقع قرب مستشفى أوغستا فكتوريا ، والرجال الذين خلعوا بزاتهم وقاتلوا في شوارع القدس ، والفلاح الذي أعدموه برصاصة واحدة حينما رأوه
يقترب من رام الله ..
لم نستطع أن نبكي على أكتاف آبائنا، ولم نستطع أن نشرح همومنا لأمهاتنا، فكبرنا ونحن نحمل في صدورنا أحاديث لم تُقل، ودموعًا لم تجد طريقها إلى العيون. اعتدنا أن نبتسم حتى لا نقلق أحدًا، وأن نخفي انكساراتنا خلف ملامح هادئة، بينما كانت أرواحنا تذبل بصمت. لم نكن نبحث عن حلول، كنا نحتاج فقط إلى حضنٍ يطمئننا، وإلى قلبٍ يشعر بثقل ما نحمله دون أن نشرحه. لكن الأيام مضت، وكبرنا ، وتعلمنا أن نواسي أنفسنا بأنفسنا، وأن نمسح دموعنا بأيدينا، وأن نكمل الطريق بقلوبٍ متعبة. وربما أقسى ما في الأمر، أن الإنسان قد يعتاد الألم، لكنه لا يعتاد غياب الأمان. ويبقى في داخله طفلٌ صغير، كان يتمنى أن يبكي مرةً واحدة على كتف أبيه، أو أن يحكي لأمه كل ما أثقل قلبه، ثم ينام مطمئنًا وكأن الدنيا لم تؤذه يومًا.
كُنَّا صِغَاراً
صِغَاراً يَسْهَرونَ في اللَّيْلِ تَحْتَ مَصابيحِ الطُّرُقاتِ.
اعلان نجاح موسم الحج لعام ١٤٤٧ هجرية
وداعا ضيوف الرحمن
تقبل الله منكم حجكم وصالح أعمالكم
الحمد لله على التمام بكل أمن ويسر
شكرا لله ثم لجنود الوطن ولأبناء الوطن
شكرا لكل عسكري ترك عائلته ورابط لأجل سلامة الحجاج
شكرا لأبنائنا المتطوعين الذين آثروا الأجر والثواب على النعيم والراحة
شكرا للمسعفين الذين رابطوا ٢٤ ساعة تحت لهيب الشمس الحارقة
نسأل الله أن يبلغنا مواسم الحج أعواما عديدة ويحفظ هذا البلد العظيم من الأعداء الذين يحيكون له في الظلام كل المكائد ويتربصون به أن تدور عليه الدوائر
الله مولانا ولامولى لهم.
أَيُّهَا الرَّاكِضُ فِي زِحَامِ العُمْرِ..
سَنَبْقَى هَائِمِينَ بِلَا هَوَادَةٍ حَتَّى نَلْتَقِيَ بِأَنْفُسِنَا، رِيَاحُ العُمْرِ شِمَالِيَّةٌ تُثِيرُ الغُبَارَ عَلَى طُرُقٍ لَمْ نَسْلُكْهَا بَعْدُ، وَالوَقْتُ أَسْرَعُ مِنْ أَنْ نَرْتَشِفَ فِيهِ كُوبَ شَايٍ بِسَلَامٍ، أَوْ نَنْظُرَ فِي مِرْآةِ أَرْوَاحِنَا المُنْهَكَةِ دُونَ قَلَقٍ.
نَرْكُضُ وَفِي دَاخِلِنَا مَوَاسِمُ مُؤَجَّلَةٌ، وَأَحْلَامٌ كَبَّلَهَا الخَوْفُ مِنَ الخُطْوَةِ الأُولَى؛ وَنَنْسَى فِي زِحَامِ الخُطُوَاتِ كَيْفَ يَتَنَفَّسُ المُتْعَبُونَ، وَكَيْفَ نُهَدِّئُ مِنْ رَوْعِ قُلُوبِنَا الوَاجِفَةِ، نَخَافُ السُّكُونَ قَبْلَ النُّقْطَةِ الأَخِيرَةِ، وَنَرْتَعِبُ مِنَ فِكْرَةِ أَنْ نَصِلَ مُتَأَخِّرِينَ، أَوْ أَنْ تَفُوتَنَا نَسْمَةُ الرَّبِيعِ الَّتِي نَتُوقُ لِمُصَافَحَتِهَا.
يَوْمًا مَا..
سَنَمْشِي فِي ذَاتِ الطُّرُقِ الَّتِي كُنَّا نَرْكُضُ فِيهَا،
سَنَكْتَشِفُ أَنَّ السَّاعَةَ طَوِيلَةٌ.. طَوِيلَةٌ بِمَا يَكْفِي،
لِاكْتِشَافِ قَرْيَةٍ جميلة فِي جَوْفِ مَدِينَةٍ جَدِيدَةٍ،
وَأَنَّ الرَّبِيعَ لَمْ يَكُنْ يَوْمًا خَارِجَنَا،
بَلْ كَانَ يَنْتَظِرُنَا
حِينَ نُقَرِّرُ أَخِيرًا.. أَنْ نَهْدَأَ.
في قلب هذا العالم الصاخب، يركض البشر في كل اتجاه بحثاً عن الطمأنينة، يقطعون البحار ويتسلقون القمم ظناً منهم أن الفرح يختبئ في جغرافيا معينة أو بلاد بعيدة.
لكن الحقيقة الأسطورية التي توارثتها الأرواح عبر الأزمان هي أن قلب الإنسان هو موطنه الأول، وأن بيته هو الحصن الذي يمنحه القوة أو يجرده منها. فمن عاش في بيته وسط الدفء، والقبول، والسلام مع من يحب، يحمل معه هذا الدرع أينما ارتحل.
إنها المعادلة الأزلية التي تختصر شتات الرحلة:
"إذا كُنتَ سَعيداً في المنزل فأنت سعيدٌ في كل مكان."
فسلامُ الداخل هو الذي يلوّن الخارج، ومن ملك السكينة بين جدران بيته ، صار العالم كله أمامه بستاناً آمناً.
إلى الشمس التي غابت فأظلم العالم،
وتساقط الجليد فغطى الأرض،
ودفنت النباتات الصغيرة الخضراء..
إلى الصدر الحنون الذي أرحت فوقه رأسي المتعب
إلى القلب الذي أحبني بلا ثمن
إلى العينين الحنونتين كقطعة من الشمس تحجبها السحابات الكثيفة، ..
إلى الدفء الوحيد في حياتي..
إلى الابتسامة الوحيدة الحنونة
إلى الذكرى الخضراء الطيبة، التي لن تموت أبداً ..
إلى أمي ..
لكِ حبي وكل دعوات السنين .