في خزانتي معطف قديم
لم يعد يدفئني
ولكني لاألقيه
أخاف إن فَرَّطْتُ بخيوط الصوف
أن ينفرط معها صوتها الذي عَلِقَ بالياقة ذاتَ شتاء .
لا أحد يعلم حزن الفتيات
وكيف يتعاملن مع وجع القلب
الذي لا يجد له مكانًا بين الغسيل
وإعداد العشاء ..
لذا ننتظر
ننتظر أن تخلو الحجرة
أن ينضج الأرز
ننتظر حتى يرحل آخر ضيف
حاملًا معه مجاملاته وبقاياه
نرتب الحزن كأنه أمر عابر
ونؤجل الانهيار إلى يوم الأحد
ونتعلم البكاء بالتقسيط
تغسل الأيدي الصحون، ويلوذ الفم بالصمت
يطوي الظهرُ المناشف، وينطوي القلب على نفسه
ندسّ الحزن في جدول المسؤوليات
لأن العالم لا ينتظر المشاعر؛
لا يتعطل البيت لأجل قلب مكسور
هناك دائمًا شيء على النار
وجرس يرن
وطفل لا ينبغي أن يَرى
لذا نكتمه في الداخل
ونتماسك
نحتمله مرارًا ومرارًا
حتى نصير نحن الاحتمال
هذا ما يسميه العالم قوة
لكنها ليست سوى اسم آخر
لنساء لم يسمح لهن يومًا
أن يمارسن حزنهن كباقي البشر ..
إنّي لا أستطيعُ أن أتحمل الفكرةالتي يوحيها إليَّ منظره..
-أيَّةُ فكرة؟!
-أن يمضي الرجل سبعين سنة من حياته بصورة قاسية، أن يعمل ، أن يتعب، أن يكون موجوداً يوماً إثر يوم وساعة وراء ساعة ، أن يأكل طوال سبعين عاماً من عرق كفّيه ، أن يعيش اليوم ، آملاً في غدٍ أفضل ، ان ينام كل ليلة طوال سبعين سنة ...لماذا ؟!
ليمضي بقية عمره أخيراً ، وحيداً ، جالساً هكذا...
انظرُ إليه...
هل تتصور أن يعيش الإنسان سبعين سنة..
ليصل إلى هنا؟!
أخطرُ ما في الحروب ليس هدمَ البنيان، بل هدمَ الإنسان من الداخل. فالمدن قد تُعاد إعمارها، أما النفوس إذا تصدّعت يصعب ترميمها.
أنا اعتدتُ كلَّ شيء..
اعتدتُ الفرح حين يأتي خفيفاً،
واعتدتُ الحزن حين يطيل البقاء.
اعتدتُ الوجوه التي تتبدل،
والأيام التي لا تشبه وعودها،
والأحلام التي تكبر ثم تتقلص بصمت.
اعتدتُ الخيبات حتى لم تعد تُفزعني،
واعتدتُ النجاة وحدي دون ضجيج.
لم أعد أندهش كثيراً،
ولا أعلق قلبي بكل ما يلمع.
أنا اعتدتُ الحياة كما هي؛
مرةً تُعطي، ومرةً تأخذ،
وأحياناً تفعل الأمرين معاً.
ليس لأنني لا أشعر،
بل لأنني تعلّمتُ
أن التقلب سُنّتها،
وأن الثبات الوحيد...
هو أن أبقى واقفة
مهما تغيّر كل شيء.
أكثر الأشياء سوءا في الحرب هو عيون الأطفال. لم تكن عيون خوف فقط، بل عيون سؤال.
سؤال لا يستطيع أحد أن يجيب عنه: لماذا؟.. الجندي يستطيع أن يبرر قتاله، والسياسي يستطيع أن يبرر قراره. لكن من يبرر لطفل أن بيته لم يعد موجوداً؟
حين يُجبر طفل على أن يفهم معنى الكراهية، تكون الإنسانية قد خسرت شيئاً لا يُعوّض."
دع الوقتَ يحلُّ الأمر كما لم يحلَّه أيُّ إنسان. فالناس حين يتدخلون يُعقدون ما هو معقّد أصلاً، يضيفون إلى الجرح أصابعهم المرتبكة، ويظنون أن الكلمات قادرة على خياطة ما تمزَّق في الداخل. لكن بعض الأمور لا تُفهم وهي ساخنة، ولا تُرى حقيقتها إلا بعد أن تبرد نارها.
الوقت لا يتعجَّل، ولا يواسي، ولا يبرّر. إنه يمرُّ فقط، وفي مروره يحدث ما لا يحدث بالجدال ولا بالاعتذار. ما حسبته نهاية العالم، يصبح فصلاً قصيرًا في سيرةٍ أطول مما تخيّلت. الوقت لا يُغيّر الوقائع، لكنه يُعيد ترتيبها في ذاكرتك، فيخفّ ثقلها أو يتبدّل معناها.
نحن نطلب الحلَّ فورًا لأن الألم فوري. نريد عدالة عاجلة، تفسيرًا واضحًا، اعترافًا صريحًا. لكن الحياة لا تعمل وفق رغبتنا في السرعة.
بعض الجراح لا تشفى باللمس، بل بمرور الأيام عليها حتى تكتسب قشرةً من النسيان.
دع الوقت يتدخل حيث فشل البشر. ليس لأنه أرحم، بل لأنه أكثر حيادًا. الإنسان يتكلم من جرحه، من كبريائه، من خوفه؛ أما الوقت فلا ينحاز. إنه يكشف تدريجيًا من كان صادقًا ومن كان عابرًا، من بقي ومن تلاشى. يترك الأقنعة تسقط وحدها، ويجعل الحقيقة أقل صخبًا وأكثر وضوحًا.
قد لا يعيد لك ما فقدت، لكنه سيُعلّمك كيف تعيش بدونه. قد لا يداوي قلبك دفعةً واحدة، لكنه سيجعلك أقل دهشة من الألم، وأكثر ألفةً مع الفقد. ومع مرور السنوات، ستنظر إلى ما حدث فتتعجب: كيف كان يرهقك إلى هذا الحد؟
دع الوقت يحلُّ الأمر، لا استسلامًا، بل إدراكًا بأن بعض العقد لا تُفكُّ بالأيدي المرتعشة، بل تتراخي وحدها حين نكفُّ عن شدّها. ففي النهاية، ما يعجز الإنسان عن احتماله اليوم، يتعلم غدًا أن يحمله بخفةٍ أكبر... لا لأن العبء صار أخف، بل لأن روحه اتسعت.
سافر الصحابي سهيل بن عمرو مع زوجته وفي أثناء الطريق، اعترضهم قطاع الطرق وسلبوا منهم كل شيء من مال وطعام ولم يتركوا لهم شيئاً.
وبدأ اللصوص يأكلون من الطعام المسروق.. فانتبه سهيل بن عمرو أن قائد اللصوص لا يشاركهم الأكل.. فسأله: لماذا لا تأكل معهم؟ فرد عليه: إني صائم! استغرب سهيل فقال له: تسرق وتصوم!!
قال له: إني أترك باباً بيني وبين الله.. لعلي أن أدخل منه يوماً ما .
وبعدها بعام أو عامين..
رآه سهيل في الحج وقد تعلق بأستار الكعبة وقد أصبح زاهداً، عابداً،
فنظر إليه وعرفه..
فقال له: لقد علمت، من ترك بينه وبين الله باباً دخل منه يوماً ما.
هذه الحياة أشواط!
اليوم نبكي وغدًا معنا موعد مع الفَرح، اليوم نيأس وغدًا يحين عناقُ الأحلام، اليوم نتعب وغدًا ساعةُ الرّاحات، اليوم نضيق وغدًا تُشرق شمس السّعة و الرّخاء،
المهم أن تبقى مع الله، أن تمضي راضيًا عنه، آملاً بفضله العظيم، طامعًا في مغفرته ورحمته، محسنًا في عبوديتك له، تدعوه وترجوه و تسأله كلّ شيء..
صدّقني، هذا كلّ شيء!
لو فقدت ما فقدت ،
لو فاتك كلّ شيء تحبّه،
لو خسرت كلّ ما تتمنّاه،
لو تعبت..
يكفيك من كلّ شيء أنَّ الله معك.
لديّ ذلك الضميرُ الذي كلّما نظرتُ إليه، وجدته ينظرُ نحوي موسّعًا أحداقه.
ليس ضميري صوتاً خافتاً يهمس في أذني، بل هو عينٌ كونية تسكنني. كلما حاولتُ الالتفاف حول الحقيقة، أو الركون إلى زيف المظاهر، اصطدمتُ بتلك الأحداق الواسعة التي لا تغفل. إنها نظرةٌ لا تعرف العتاب بقدر ما تعرف المكاشفة. هو ينظر إليّ ليرى هل ما زلتُ أنا.. أنا؟ هل ما زال قلبي حراً كما ادعيت؟ أم أن الزحام قد سرق مني ملامحي؟ أقفُ أمامه عارياً من كل تبرير، أستمدُّ من اتساع أحداقه نوري، ومن صمتهِ هيبتي. أنا لا أخشى أحداً ما دمتُ أستطيع النظر في عينِ ذلك القابع في أعماقي دون أن يرتد طرفي. لقد جعلتُ من تلك الأحداق مداري، ومن ذلك التحديق الطويل صكَّ وجودي؛ فمن كان ضميره يراقبه بهذا الاتساع، لن تضله المسارات، ولن تكسره الخيبات.
في حانوت خبز, على ناصية شارع باريسي
ضيِّق... أَحتسي قهوتي الأولى. صباحاً
تختلط رائحة الخبز برائحة القهوة، و توقظان
فيَّ شهية على حياة طازجة .. حياة
مبتدئة، و على سلام طوعي مع الأشياء
الصغيرة، و مع حمامات تُؤْثِرُ المشي بين
المارة و السيارات على الطيران. لا أَجد غيري
يجلس وحيداً إلا من دفتر يوميات.
لكني أحس بأني أشارك السيدات المتقدمات
في العمر حماستهنّ تجاه تفاصيل يروينها عن
حياةِ غيرهنّ. و أُشارك بائعات الخبز و النادلات
الجميلات حيادهنَّ اللبق تجاه مغازلات الزبائن
المتقدمين، أكثر مني، في السن. أَتباطأ في
احتساء قهوتي لأحافظ على صحبة مفترضة
مع ما حولي، فليس للغريب إلا اختراع
أُلفة ما مع مكان ما. و أَنا اخترت هذا
الركن من حانوت الخبز لتأليف عادة يومية،
كأني على موعد مع ذكريات مجتهدة تعتمد
على نفسها في النمو. و أَسترسل في التفكير
بتاريخ الخبز: كيف اكتُشِفَتْ حَبَّةُ القمح
الأولى في سنبلةٍ خضراء مجدولةٍ كضفيرة.
و كيف راقبها شخص ما إلى أن نضجت و اصفَرَّتْ؟
و كيف خطر على باله أن يطحنها و يعجنها
و يخبزها حتى وصل إلى هذه المعجزة؟ أَرى
حقولاً بعيدة في زمن بعيد، و أتساءل:
كم استغرق هذا الإبداع من الوقت؟ تعلو رائحة
الخبز الطازج، و أنظر في ساعتي .. ثم أَعود
من آلاف السنين إلى حياة مبتدئة!
للتذكير وللمرة الثانية والثالثة والمليون، أعظم سبب للتوفيق والرزق ليس ذكائك ولا شهادتك ولا علاقاتك أيًا كانت .. بل نيتك الطيبة الخالصة لوجه الله هي التي تفتح لك أبواب الرزق والتوفيق من حيث لا تحتسب، النوايا الطيبة تُرتب لصاحبها أجمل الأقدار، فسعادة الآخرين لن تأخذ من سعادتك، وغناهم لن ينقص من رزقك، وعافيتهم لن تسلبك صحتك، فكن صاحب نية طيبة وأثر طيب بين الناس .
من المهم جدًا أن تخرج وحدك، أن تجلس تحت شجرة ليس مع كتاب، ولا مع رفيق، بل وحدك وتراقب سقوط ورقة، وتسمع حفيف الماء، وغناء الصيادين، وتراقب تحليق الطائر، وأفكارك وهي تتسابق في فضاء، إذا استطعت أن تكون وحدك وتراقب هذه الأشياء، فستكتشف ثرواتٍ هائلة لا تستطيع أي حكومة فرض ضرائب عليها، ولا يمكن لأي قوة بشرية أن تفسدها، ولا يمكن تدميرها أبدًا."