تُوقظُنا خُيُوط الفجر الأولى
ننهض نبحثُ بين بقايا الليل
عن ملامِحنا !
نركُض في حُقُول الشّمس الشاسعة
نمحُو عن ذاكرة الوقت
خيالات العتمة
وأشباح الصقيع.
لقد حاولت منذ البدء أن أستبدل الوطن بالعمل ، ثم بالعائلة ، ثم بالكلمة ، ثم بالعنف ، ثم بالمرأة ، وكان دائماً يعوزني الانتساب الحقيقي ، ذلك الانتساب الذي يهتف بنا حين نصحو في الصباح : " لك شيء في هذا العالم فقم" أعرفته؟ وكان الاحتيال يتهاوى ، فقد كنت أريد أرضاً ثابتة أقف فوقها ، ونحن نستطيع أن نخدع كل شيء ما عدا أقدامنا ، إننا لا نستطيع أن نقنعها بالوقوف على رقائق جليد هشة معلقة بالهواء ، والآن : كنت أمشي على رقع الجليد تلك ، وليس كل ما كتبته وكل ما قلته في حياتي كلها إلا صوت تهشمها تحت الخطوات الطريدة ..
قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم:
«لا تحقِرَنَّ من المعروف شيئًا ولو أنْ تُعطِي صلة الحبل، ولو أنْ تُعطِي شِسعَ النَّعل، ولو أنْ تَنْزِع من دَلوِك في إناء المُستَسقِي، ولو أنْ تنحِّي الشيءَ من طريق الناس يُؤذِيهم، ولو أنْ تَلقَى أخاك ووجهُك إليه مُنطَلِق، ولو أنْ تلقى أخاكَ فتُسلِّم عليه، ولو أنْ تُؤنِس الوَحشان في الأرض»
طوال الطريق كان يتكلم ويتكلم ويتكلم ، تحدث إلى زوجته عن كل شيء ، عن الحرب وعن الهزيمة وعن بوابة منْدَلبوم التي هدمتها الجرارات ، وعن العدو الذي وصل إلى النهر والقناة ومشارف دمشق خلال ساعات ، وعن وقف إطلاق النار ، والراديو ، ونهب الجنود للأشياء والأثاث ، ومنع التجول ، وابن العم الذي في الكويت يأكله القلق ، والجار الذي لمّ أغراضه وهرب ، والجنود العرب الثلاثة الذين قاتلوا وحدهم يومين على تلة تقع قرب مستشفى أوغستا فكتوريا ، والرجال الذين خلعوا بزاتهم وقاتلوا في شوارع القدس ، والفلاح الذي أعدموه برصاصة واحدة حينما رأوه
يقترب من رام الله ..
لم نستطع أن نبكي على أكتاف آبائنا، ولم نستطع أن نشرح همومنا لأمهاتنا، فكبرنا ونحن نحمل في صدورنا أحاديث لم تُقل، ودموعًا لم تجد طريقها إلى العيون. اعتدنا أن نبتسم حتى لا نقلق أحدًا، وأن نخفي انكساراتنا خلف ملامح هادئة، بينما كانت أرواحنا تذبل بصمت. لم نكن نبحث عن حلول، كنا نحتاج فقط إلى حضنٍ يطمئننا، وإلى قلبٍ يشعر بثقل ما نحمله دون أن نشرحه. لكن الأيام مضت، وكبرنا ، وتعلمنا أن نواسي أنفسنا بأنفسنا، وأن نمسح دموعنا بأيدينا، وأن نكمل الطريق بقلوبٍ متعبة. وربما أقسى ما في الأمر، أن الإنسان قد يعتاد الألم، لكنه لا يعتاد غياب الأمان. ويبقى في داخله طفلٌ صغير، كان يتمنى أن يبكي مرةً واحدة على كتف أبيه، أو أن يحكي لأمه كل ما أثقل قلبه، ثم ينام مطمئنًا وكأن الدنيا لم تؤذه يومًا.
كُنَّا صِغَاراً
صِغَاراً يَسْهَرونَ في اللَّيْلِ تَحْتَ مَصابيحِ الطُّرُقاتِ.
اعلان نجاح موسم الحج لعام ١٤٤٧ هجرية
وداعا ضيوف الرحمن
تقبل الله منكم حجكم وصالح أعمالكم
الحمد لله على التمام بكل أمن ويسر
شكرا لله ثم لجنود الوطن ولأبناء الوطن
شكرا لكل عسكري ترك عائلته ورابط لأجل سلامة الحجاج
شكرا لأبنائنا المتطوعين الذين آثروا الأجر والثواب على النعيم والراحة
شكرا للمسعفين الذين رابطوا ٢٤ ساعة تحت لهيب الشمس الحارقة
نسأل الله أن يبلغنا مواسم الحج أعواما عديدة ويحفظ هذا البلد العظيم من الأعداء الذين يحيكون له في الظلام كل المكائد ويتربصون به أن تدور عليه الدوائر
الله مولانا ولامولى لهم.
أَيُّهَا الرَّاكِضُ فِي زِحَامِ العُمْرِ..
سَنَبْقَى هَائِمِينَ بِلَا هَوَادَةٍ حَتَّى نَلْتَقِيَ بِأَنْفُسِنَا، رِيَاحُ العُمْرِ شِمَالِيَّةٌ تُثِيرُ الغُبَارَ عَلَى طُرُقٍ لَمْ نَسْلُكْهَا بَعْدُ، وَالوَقْتُ أَسْرَعُ مِنْ أَنْ نَرْتَشِفَ فِيهِ كُوبَ شَايٍ بِسَلَامٍ، أَوْ نَنْظُرَ فِي مِرْآةِ أَرْوَاحِنَا المُنْهَكَةِ دُونَ قَلَقٍ.
نَرْكُضُ وَفِي دَاخِلِنَا مَوَاسِمُ مُؤَجَّلَةٌ، وَأَحْلَامٌ كَبَّلَهَا الخَوْفُ مِنَ الخُطْوَةِ الأُولَى؛ وَنَنْسَى فِي زِحَامِ الخُطُوَاتِ كَيْفَ يَتَنَفَّسُ المُتْعَبُونَ، وَكَيْفَ نُهَدِّئُ مِنْ رَوْعِ قُلُوبِنَا الوَاجِفَةِ، نَخَافُ السُّكُونَ قَبْلَ النُّقْطَةِ الأَخِيرَةِ، وَنَرْتَعِبُ مِنَ فِكْرَةِ أَنْ نَصِلَ مُتَأَخِّرِينَ، أَوْ أَنْ تَفُوتَنَا نَسْمَةُ الرَّبِيعِ الَّتِي نَتُوقُ لِمُصَافَحَتِهَا.
يَوْمًا مَا..
سَنَمْشِي فِي ذَاتِ الطُّرُقِ الَّتِي كُنَّا نَرْكُضُ فِيهَا،
سَنَكْتَشِفُ أَنَّ السَّاعَةَ طَوِيلَةٌ.. طَوِيلَةٌ بِمَا يَكْفِي،
لِاكْتِشَافِ قَرْيَةٍ جميلة فِي جَوْفِ مَدِينَةٍ جَدِيدَةٍ،
وَأَنَّ الرَّبِيعَ لَمْ يَكُنْ يَوْمًا خَارِجَنَا،
بَلْ كَانَ يَنْتَظِرُنَا
حِينَ نُقَرِّرُ أَخِيرًا.. أَنْ نَهْدَأَ.
في قلب هذا العالم الصاخب، يركض البشر في كل اتجاه بحثاً عن الطمأنينة، يقطعون البحار ويتسلقون القمم ظناً منهم أن الفرح يختبئ في جغرافيا معينة أو بلاد بعيدة.
لكن الحقيقة الأسطورية التي توارثتها الأرواح عبر الأزمان هي أن قلب الإنسان هو موطنه الأول، وأن بيته هو الحصن الذي يمنحه القوة أو يجرده منها. فمن عاش في بيته وسط الدفء، والقبول، والسلام مع من يحب، يحمل معه هذا الدرع أينما ارتحل.
إنها المعادلة الأزلية التي تختصر شتات الرحلة:
"إذا كُنتَ سَعيداً في المنزل فأنت سعيدٌ في كل مكان."
فسلامُ الداخل هو الذي يلوّن الخارج، ومن ملك السكينة بين جدران بيته ، صار العالم كله أمامه بستاناً آمناً.
إلى الشمس التي غابت فأظلم العالم،
وتساقط الجليد فغطى الأرض،
ودفنت النباتات الصغيرة الخضراء..
إلى الصدر الحنون الذي أرحت فوقه رأسي المتعب
إلى القلب الذي أحبني بلا ثمن
إلى العينين الحنونتين كقطعة من الشمس تحجبها السحابات الكثيفة، ..
إلى الدفء الوحيد في حياتي..
إلى الابتسامة الوحيدة الحنونة
إلى الذكرى الخضراء الطيبة، التي لن تموت أبداً ..
إلى أمي ..
لكِ حبي وكل دعوات السنين .
أعلم أنني لن أنساك، رغم أن الأيام تمضي بأسرع مما نتخيل، ورغم أن الزمن يطوي في طياته أشياء كثيرة، إلا أنك تبقى في زاوية من ذاكرتي، لا تمحوها الرياح ولا يبدلها تقلب الأيام. فما بين ضياع الوقت ومرور اللحظات، هناك مكانٌ دائمٌ لذكراك، وأنت جزءٌ من عمق نفسي لا يمكن أن يمحى مهما حاولت.
أعلم أنني لن أنساك، لأنك جزءٌ من وجعي وسعادتي، من فرحي وحزني. أنت تلك الذاكرة التي لا تموت، ولا أستطيع أن أطفئها مهما اجتهدت. فحتى في غيابك، هناك شيءٌ في داخلي يتنفس باسمك، يشتاق إليك في صمت، وتظل روحك حاضرة في كل لحظة أعيشها. كما لو أن القدر قد ترك لي جزءًا منك يسكن قلبي ويظل يرافقني إلى الأبد.
لكن، أعلم في أعماقي أن القدر لن يجمعنا معًا، وأن الأقدار لا تعترف بما نشعر به أو نتمناه. فبينما نتعلق بالأمل، يفرض القدر مساراته التي لا يمكننا تغييرها. لقد كان لقاؤنا حلمًا، ورغم عمقه، علمت أنه لا يمكنه أن يتحقق في عالم الواقع. فالظروف تتباعد بنا، والزمان يخذلنا، وكأن الأقدار قد كتبت على صفحاتنا أن نبقى بعيدين.
أعلم قلبي أن الحب لا يتوقف هنا، بل يتجاوز الحدود ليبقى خالدًا في الروح، حتى وإن لم يجمعنا القدر مرة أخرى.
اكتفيتُ بالنظر إلى الأشياء التي أريدها، كمن يقف خلف زجاجٍ شفافٍ يفصل بينه وبين الحياة. أراها قريبةً بما يكفي لتوقظ في داخلي الرغبة، وبعيدةً بما يكفي لتذكّرني بعجزي. لم يكن ذلك الاكتفاء اختيارًا خالصًا، بل كان مزيجًا من الخوف والتردد، ومن قناعةٍ مُرّة بأن بعض الأمنيات خُلقت لتُرى لا لتُمتلك.
كنتُ أحدّق في التفاصيل الصغيرة؛ في الوجوه التي تشعّ فرحًا، في الأحلام التي تتحقق لغيري، وفي الطرق التي لم أسلكها. وكلما طال التأمّل، أصبح المشهد أكثر وضوحًا، لكن المسافة بقيت كما هي، لا تقصر ولا تطول. كأن الحياة تقول لي: "يمكنك أن تشاهد، لكن ليس بالضرورة أن تصل."
ومع الوقت، تحوّل هذا الاكتفاء إلى عادة، ثم إلى درعٍ أحتمي به من خيبات المحاولة. فالمحاولة تعني احتمال السقوط، أما الاكتفاء بالنظر فيمنحني وهم الأمان. أقنع نفسي بأن الرضا فضيلة، وبأن القليل يكفي، بينما في أعماقي صوتٌ خافتٌ يهمس: "أنت لا ترضى... أنت فقط تتجنّب."
ورغم ذلك، لم يكن المشهد خاليًا من الجمال. ففي النظر أيضًا متعة؛ متعة التخيّل، ومتعة الحلم دون قيود الواقع. كنتُ أرسم في داخلي حياةً موازية، أعيش فيها ما لم أعشه، وأحقق فيها ما لم أجرؤ على السعي إليه. لكنّ هذه الحياة كانت دائمًا مؤقتة، تنتهي مع أوّل مواجهةٍ مع الحقيقة.
وفي لحظة صدقٍ نادرة، أدركتُ أن الاكتفاء بالنظر ليس سلامًا، بل هدنة مؤجلة مع الرغبات. وأن الأشياء التي نكتفي بتأملها، تظل تسكننا مهما حاولنا تجاهلها.
لا أحد يعلم حزن الفتيات
وكيف يتعاملن مع وجع القلب
الذي لا يجد له مكانًا بين الغسيل
وإعداد العشاء ..
لذا ننتظر
ننتظر أن تخلو الحجرة
أن ينضج الأرز
ننتظر حتى يرحل آخر ضيف
حاملًا معه مجاملاته وبقاياه
نرتب الحزن كأنه أمر عابر
ونؤجل الانهيار إلى يوم الأحد
ونتعلم البكاء بالتقسيط
تغسل الأيدي الصحون، ويلوذ الفم بالصمت
يطوي الظهرُ المناشف، وينطوي القلب على نفسه
ندسّ الحزن في جدول المسؤوليات
لأن العالم لا ينتظر المشاعر؛
لا يتعطل البيت لأجل قلب مكسور
هناك دائمًا شيء على النار
وجرس يرن
وطفل لا ينبغي أن يَرى
لذا نكتمه في الداخل
ونتماسك
نحتمله مرارًا ومرارًا
حتى نصير نحن الاحتمال
هذا ما يسميه العالم قوة
لكنها ليست سوى اسم آخر
لنساء لم يسمح لهن يومًا
أن يمارسن حزنهن كباقي البشر ..
إنّي لا أستطيعُ أن أتحمل الفكرةالتي يوحيها إليَّ منظره..
-أيَّةُ فكرة؟!
-أن يمضي الرجل سبعين سنة من حياته بصورة قاسية، أن يعمل ، أن يتعب، أن يكون موجوداً يوماً إثر يوم وساعة وراء ساعة ، أن يأكل طوال سبعين عاماً من عرق كفّيه ، أن يعيش اليوم ، آملاً في غدٍ أفضل ، ان ينام كل ليلة طوال سبعين سنة ...لماذا ؟!
ليمضي بقية عمره أخيراً ، وحيداً ، جالساً هكذا...
انظرُ إليه...
هل تتصور أن يعيش الإنسان سبعين سنة..
ليصل إلى هنا؟!
أخطرُ ما في الحروب ليس هدمَ البنيان، بل هدمَ الإنسان من الداخل. فالمدن قد تُعاد إعمارها، أما النفوس إذا تصدّعت يصعب ترميمها.
أنا اعتدتُ كلَّ شيء..
اعتدتُ الفرح حين يأتي خفيفاً،
واعتدتُ الحزن حين يطيل البقاء.
اعتدتُ الوجوه التي تتبدل،
والأيام التي لا تشبه وعودها،
والأحلام التي تكبر ثم تتقلص بصمت.
اعتدتُ الخيبات حتى لم تعد تُفزعني،
واعتدتُ النجاة وحدي دون ضجيج.
لم أعد أندهش كثيراً،
ولا أعلق قلبي بكل ما يلمع.
أنا اعتدتُ الحياة كما هي؛
مرةً تُعطي، ومرةً تأخذ،
وأحياناً تفعل الأمرين معاً.
ليس لأنني لا أشعر،
بل لأنني تعلّمتُ
أن التقلب سُنّتها،
وأن الثبات الوحيد...
هو أن أبقى واقفة
مهما تغيّر كل شيء.