لا أطلبُ منكِ أن تعودي كما كنتِ، ولا أن تُحيي الزمن الذي انكسر برحيلكِ، يكفيني أن تزوريني في الخيال. هناك، حيث لا موت ولا فراق، حيث يمكنني أن أراكِ دون خوف من النهاية. في المخيلة وحدها، أستطيع أن أقترب دون أن أعدَّ الدقائق، وأن أتكلم دون أن أختنق بالصمت.
غيابكِ لم يكن حدثاً، بل حالة مستمرة. كل شيء بعدك صار ناقصاً، حتى الأيام التي تمر بسلام تحمل في داخلها فراغاً لا يُرى. تعلمتُ أن أعيش، نعم، لكنني لم أتعلم أن أعتاد. الفقد لا يشيخ، ولا يصبح أخف، بل يغير شكله فقط، كألمٍ يعرف كيف يختبئ.
حين تأتين في الحلم، لا أسألكِ أين كنتِ، ولا لماذا رحلتِ. أكتفي بأن أراكِ قريبة، وأن أشعر أن العالم، ولو للحظة، أقل قسوة. أحتاج أن يطول العناق، لأن الواقع لا يمنحني وقتاً كافياً لأقول كل ما لم يُقَل. الكلمات تتأخر دائماً عن الفقد، تصل بعد فوات الأوان، وتبقى معلّقة في الصدر.
يا أمي، كنتِ المعنى الوحيد الذي لم أحتج إلى تفسيره. وبعدكِ، صار كل شيء سؤالاً. تعلمتُ كثيراً عن الألم، عن الوحدة، عن الإنسان حين يُترك وحده مع وعيه، لكنني لم أتعلم كيف أكون قوياً كما يتوقعون. القوة التي يتحدثون عنها تشبه البرود، وأنا لم أعد أريد أن أكون بارداً.
في زيارتكِ القادمة لمخيلتي، لا تستعجلي الرحيل. اجلسي قليلاً، انظري إليّ كما كنتِ تفعلين، بلا أحكام، بلا شروط. دعيني أستريح من هذا العالم الذي يطالبني دائماً بأن أتماسك. في حضوركِ الخيالي، أسمح لنفسي أن أضعف، أن أكون ابناً فقط، لا إنساناً محاصراً بأسئلته.
أعلم أنكِ لن تعودي، وأعلم أن الوعي بهذه الحقيقة جزء من نضجي، لكن القلب لا ينضج أبداً أمام الأم. لذلك، حين تزوريني في الخيال، أرجوكِ، أطيلي العناق..."
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق