​دع الوقتَ يحلُّ الأمر كما لم يحلَّه أيُّ إنسان. فالناس حين يتدخلون يُعقدون ما هو معقّد أصلاً، يضيفون إلى الجرح أصابعهم المرتبكة، ويظنون أن الكلمات قادرة على خياطة ما تمزَّق في الداخل. لكن بعض الأمور لا تُفهم وهي ساخنة، ولا تُرى حقيقتها إلا بعد أن تبرد نارها.
​الوقت لا يتعجَّل، ولا يواسي، ولا يبرّر. إنه يمرُّ فقط، وفي مروره يحدث ما لا يحدث بالجدال ولا بالاعتذار. ما حسبته نهاية العالم، يصبح فصلاً قصيرًا في سيرةٍ أطول مما تخيّلت. الوقت لا يُغيّر الوقائع، لكنه يُعيد ترتيبها في ذاكرتك، فيخفّ ثقلها أو يتبدّل معناها.


​نحن نطلب الحلَّ فورًا لأن الألم فوري. نريد عدالة عاجلة، تفسيرًا واضحًا، اعترافًا صريحًا. لكن الحياة لا تعمل وفق رغبتنا في السرعة.
بعض الجراح لا تشفى باللمس، بل بمرور الأيام عليها حتى تكتسب قشرةً من النسيان.


​دع الوقت يتدخل حيث فشل البشر. ليس لأنه أرحم، بل لأنه أكثر حيادًا. الإنسان يتكلم من جرحه، من كبريائه، من خوفه؛ أما الوقت فلا ينحاز. إنه يكشف تدريجيًا من كان صادقًا ومن كان عابرًا، من بقي ومن تلاشى. يترك الأقنعة تسقط وحدها، ويجعل الحقيقة أقل صخبًا وأكثر وضوحًا.
​قد لا يعيد لك ما فقدت، لكنه سيُعلّمك كيف تعيش بدونه. قد لا يداوي قلبك دفعةً واحدة، لكنه سيجعلك أقل دهشة من الألم، وأكثر ألفةً مع الفقد. ومع مرور السنوات، ستنظر إلى ما حدث فتتعجب: كيف كان يرهقك إلى هذا الحد؟


دع الوقت يحلُّ الأمر، لا استسلامًا، بل إدراكًا بأن بعض العقد لا تُفكُّ بالأيدي المرتعشة، بل تتراخي وحدها حين نكفُّ عن شدّها. ففي النهاية، ما يعجز الإنسان عن احتماله اليوم، يتعلم غدًا أن يحمله بخفةٍ أكبر... لا لأن العبء صار أخف، بل لأن روحه اتسعت.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق