اكتفيتُ بالنظر إلى الأشياء التي أريدها، كمن يقف خلف زجاجٍ شفافٍ يفصل بينه وبين الحياة. أراها قريبةً بما يكفي لتوقظ في داخلي الرغبة، وبعيدةً بما يكفي لتذكّرني بعجزي. لم يكن ذلك الاكتفاء اختيارًا خالصًا، بل كان مزيجًا من الخوف والتردد، ومن قناعةٍ مُرّة بأن بعض الأمنيات خُلقت لتُرى لا لتُمتلك.
كنتُ أحدّق في التفاصيل الصغيرة؛ في الوجوه التي تشعّ فرحًا، في الأحلام التي تتحقق لغيري، وفي الطرق التي لم أسلكها. وكلما طال التأمّل، أصبح المشهد أكثر وضوحًا، لكن المسافة بقيت كما هي، لا تقصر ولا تطول. كأن الحياة تقول لي: "يمكنك أن تشاهد، لكن ليس بالضرورة أن تصل."
ومع الوقت، تحوّل هذا الاكتفاء إلى عادة، ثم إلى درعٍ أحتمي به من خيبات المحاولة. فالمحاولة تعني احتمال السقوط، أما الاكتفاء بالنظر فيمنحني وهم الأمان. أقنع نفسي بأن الرضا فضيلة، وبأن القليل يكفي، بينما في أعماقي صوتٌ خافتٌ يهمس: "أنت لا ترضى... أنت فقط تتجنّب."
ورغم ذلك، لم يكن المشهد خاليًا من الجمال. ففي النظر أيضًا متعة؛ متعة التخيّل، ومتعة الحلم دون قيود الواقع. كنتُ أرسم في داخلي حياةً موازية، أعيش فيها ما لم أعشه، وأحقق فيها ما لم أجرؤ على السعي إليه. لكنّ هذه الحياة كانت دائمًا مؤقتة، تنتهي مع أوّل مواجهةٍ مع الحقيقة.
وفي لحظة صدقٍ نادرة، أدركتُ أن الاكتفاء بالنظر ليس سلامًا، بل هدنة مؤجلة مع الرغبات. وأن الأشياء التي نكتفي بتأملها، تظل تسكننا مهما حاولنا تجاهلها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق