قربٌ بعيد..
قد يفتح المرء نافذته على اتساعها، ويبقى الآخر منشغلاً بما اعتاد أن يراه منها.
ليس كلُّ مَن اقترب منك عرفك، ولا كلُّ مَن أحبّ شيئًا فيك رآك. أحيانًا، يقضي أحدهم عمرًا إلى جوارك، يعرف صوتك، ويحفظ ملامحك، ويألف حضورك، ثم يمضي وهو لا يعرف عنك إلا ما صادف أن أظهرته له. كأنّ ما نكونه ليس ما يراه الآخرون فينا، بل ما لم يخطر لهم يومًا أن يبحثوا عنه. لطالما حيّرني كيف يمكن لأحدهم أن يألف الضوء في نافذتك، ثم يظنّ أنّّه عرف البيت. أن يأتي مرارًا، ويجلس طويلًا، ويحفظ موضع النافذة من الجدار، وربما أحبّ ذلك الضوء أيضًا، لكنّه لا يفكر مرّةً في الطرق التي تقود إلى الغرف المعتمة، ولا فيما تُخفيه الزوايا التي لا يبلغها نظره.
لطالما تساءلتُ: أيّ جزء مني تحبّ، وأنت لم تحاول يومًا أن تعرفني كما أنا؟ لستُ أعني أن تحفظ ما أقوله، أو أن تتذكّر تفاصيل عابرةً من حديثي، بل أن تنتبه إلى ما يتغيّر في صوتي حين أقول إنني بخير، وإلى الكلمات التي أبتلعها في منتصف الطريق، وإلى تلك المسافة الصغيرة بين ما أشعر به وما أستطيع البوح به. كنتُ أظنّ أن المحبّة تجعلنا أكثر رغبةً في الاكتشاف؛ تدفعنا إلى الاقتراب من عوالم بعضنا، لا أن نكتفي بالوقوف عند أبوابها. كم مرّةً حاولت أن أريك شيئًا مني، لا لأنني لا أستطيع فهم نفسي، بل لأنني أردت أن تشاركني رؤيتها؟ وكم مرّةً انتهى بي الأمر وأنا أشعر بأنني لم أكن بحاجةٍ إلى مزيدٍ من الكلام، بل إلى قليلٍ من المحاولة منك؟
كنت أظنّ أنَّ الذين يحبّوننا يرغبون، ولو قليلًا، في معرفة ما لا يظهر منّا. لا لأنّنا نخفيه عمدًا، بل لأنّ في كلّ إنسان أشياء لا تعرف كيف تخرج إلى الضوء وحدها؛ أشياء تحتاج إلى سؤالٍ صادق، وإلى انتباهٍ لا يستعجل الإجابة، وإلى قلبٍ لا يكتفي بما يسهل عليه رؤيته. لكنّ بعضهم يعتاد حضورك حتى يظنّ أنّّه عرفك، ويألف كلماتك حتى يتوهّم أنّه سمعك، ويطمئنّ إلى الصورة التي رسمها لك في ذهنه، فلا يخطر له أنّك ربما كنت طوال الوقت أوسع بكثير ممّا تتسع له تلك الصورة. أكثر ما يُعب الإنسان أن يترك من روحه أثرًا صغيرًا في حديث عابر، وأن يمّرّ ألمه بين كلمتين، وأن يمنحك من نفسه ما لا يمنحه للآخرين، ثم يمضي كلّ شيء كأنه لم يحدث.
لم أطلب منك أن تقرأ أفكاري، ولا أن تفهمني من نظرة، ولا أن تصيب في كلّ مرّة. كنتُ أريد فقط أن أراك تحاول؛ أن تسأل حين لا تفهم، وأن تعود إلى ما حيّرك بدل أن تتركه خلفك، وأن تدرك أنّ ما لا أستطيع شرحه من المرة الأولى لا يعني أنه لا يستحق منك الإصغاء. فليس مؤلمًا أن يجهل أحدهم شيئًا عنك؛ فكلّنا نجهل بعضنا في البداية. المؤلم أن تمنحه من الإشارات ما يكفي ليدرك أنّ وراء ما يراه عالمًا لم يكتشفه بعد، ثم تراه يكتفي بما عرفه عنك في أوّل الطريق. ربّما كنتَ قريبًا مني أكثر ممّا تظنّ، لكنّ القرب الذي لا تصحبه رغبةٌ في الفهم يترك بين قلبين مسافةً لا تراها العيون. وأنا لم أكن لغزًا يستنزفك حلّه، ولا حكايةً عليك أن تحفظ تفاصيلها. كنتُ أريد أن أكون إنسانةً تحبّها، فتريد أن تعرفها. وهذا، في ظنّي، ليس كثيرًا.
ولم أعد أعرف إن كان ما أريد قوله قد نفد، أم أنّني تعبت من البحث عن طريقةٍ يصل بها إليك. لم أغلق النافذة، ولم أعد أراقب الطريق. تركتُ الضوء يفعل ما اعتاد فعله، وتركتُ البيت يحتفظ بأسراره، ومضيتُ في أيّامي كأنّ شيئًا لم يكن ينتظر أحدًا. كنتَ تقول إنّك تحبّني، وربما كنتَ صادقًا في كلّ مرّة. لكنّني لم أعرف يومًا إن كنت قد أحببتني كما أنا، أم أحببتُ تلك الصورة التي استطعت أن تفهمها مني، وتركتُ بقيّتي في مكانٍ لم تصله أسئلتك. أنا لا أعاتبك لأنّك لم تفهمني دائمًا، بل لأنّني لم أشعر أنّك أردتَ أن تفعل. وهناك فرقٌ كبير بين مَن يعجز عن الوصول إليك رغم محاولاته، ومَن يقف بعيدًا ثم يسمّي المسافة محبّة.
واليوم ، ما زالت النافذة في مكانها، وما زال الضوء يعرف طريقه إلى الخارج... لكنّني لم أعد أعرف ما الذي تراه حين تنظر إليها، ولا ما الذي فاتك حين ظننتَ أنّك رأيت كل شيء. ربّما لم يكن في البيت ما يستحق كلّ ذلك الانتظار، وربّما كانت فيه حكايةٌ كاملة، لم تجد يومًا مَن يسأل عن بقِيّتها. لا أدري... كلّ ما أعرفه أنَّ بعض الأشياء تظلّ في أماكنها طويلًا، حتى نظنّ أنّها لن تتغيّر أبداً. ثم نلتفت إليها ذات يوم... ولا نعرف، على وجه اليقين، ما الذي تغيّر فيها، وما الذي تغيّر فينا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق